السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي
444
فقه الحدود والتعزيرات
عن اختيار وطواعيّة ، فلو كان غير قاصد للسبّ لغفلة أو نحوها ، أو أكره على ذلك ، لا يجوز قتله . وقد نرى أنّ اللَّه تعالى قد أباح عند الإكراه التلفّظ بكلمة الكفر ، فقال : « إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ » « 1 » ، والتلفّظ بكلمة الكفر أعظم من التلفّظ بسبّ من ذكر . قال أمين الإسلام الطبرسيّ رحمه الله في شأن نزول الآية الكريمة المذكورة : « قيل : نزل قوله . . . في جماعة أكرهوا ، وهم : عمّار ، وياسر أبوه ، وأمّه سميّة ، وصهيب ، وبلال ، وخباب ؛ عذّبوا وقُتل أبو عمّار وأمّه ، وأعطاهم عمّار بلسانه ما أرادوا منه ، ثمّ أخبر سبحانه بذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال قوم : كفر عمّار ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : كلّا إنّ عمّاراً ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه ، وجاء عمّار إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبكي ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ما وراءك ؟ فقال : شرّ يا رسول اللَّه ، ما تركت حتّى نلتُ منك وذكرت آلهتهم بخير ، فجعل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يمسح عينيه ويقول : إن عادوا لك فعد لهم بما قلت . » « 2 » وقد نقل السيّد الرضيّ رحمه الله في نهج البلاغة عن عليّ عليه السلام أنّه قال : « أما إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل رَحب البُلعوم « 3 » مندحق البطن « 4 » يأكل ما يجد ، ويطلب ما لا يجد . . . ألا وإنّه سيأمركم بسبّي والبراءة منّي ، فأمّا السبّ فسبّوني . . . » « 5 » قال ابن أبي الحديد : « وكثير من الناس يذهب إلى أنّه عليه السلام عنى زياداً ، وكثير منهم يقول : إنّه عنى الحجّاج ، وقال قوم : إنّه عنى المغيرة بن شعبة . والأشبه عندي أنّه عنى معاوية ، لأنّه كان موصوفاً بالنهم وكثرة الأكل ، وكان بطيناً ، يقعد بطنه إذا جلس على
--> ( 1 ) - النحل ( 16 ) : 106 . ( 2 ) - مجمع البيان ، ج 3 ، صص 387 و 388 - وراجع : السنن الكبرى ، باب المكره على الردّة ، ج 8 ، صص 208 و 209 . ( 3 ) - رحب البُلعوم : واسع مجرى الطعام في الحلق . ( 4 ) - مندحق البطن : بارز البطن وواسعها ، كأنّ جوانبها قد بعد بعضها من بعض فاتّسعت . ( 5 ) - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 4 ، ص 54 ، خطبة 56 .